الخطيب الشربيني

458

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

من المشركين قول سوء فيه فاشتدّ عليه فتزمل وتدثر ، فنزلت : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ و يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ المدثر : 1 ] . وقيل : كان هذا في ابتداء ما أوحي إليه « فإنه صلى اللّه عليه وسلم لما جاءه الوحي في غار حراء رجع إلى خديجة رضي الله عنها زوجته يرجف فؤاده ، فقال : زملوني زملوني لقد خشيت على نفسي » « 1 » أي : أن يكون هذا مبادئ شعر أو كهانة ، وكل ذلك من الشيطان أو أن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس الملك ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة ، فقالت له ، وكانت وزيرة صدق رضي الله تعالى عنها : كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق » « 2 » . ونحو هذا من الكمال الذي يثبت . وقيل : إنه صلى اللّه عليه وسلم كان نائما في الليل متزملا في قطيفة ، فنبه ونودي بما يهجن تلك الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته ، فقيل له يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ أي : الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر ، فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس ، وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما أنزل عليك من كلامنا ، فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البرّ والبحر والسرّ والجهر ، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة فلذا لم يقيده وهي جامعة لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة وهي عمادها فذكرها دال على ما عداها . ولما كان للبدن حظ في الراحة قال تعالى مستثنيا من الليل إِلَّا قَلِيلًا أي : من كل ليلة ، فإن الاشتغال بالنوم فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن ألا ترى إلى قول ذي الرمة « 3 » : وكائن تخطت ناقتي من مفازة * ومن نائم عن نيلها متزمل يريد الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب ولا يحمّل نفسه المشاق والمتاعب ونحوه « 4 » : سهدا إذا ما نام ليل الهوجل

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، انظر البخاري في بدء الوحي حديث 3 ، 4 ، والتعبير باب 1 ، وتفسير سورة 96 باب 1 ، 3 ، ومسلم في الإيمان حديث 252 ، 255 ، وأحمد في المسند 3 / 325 ، 377 ، 6 / 223 ، 233 . ( 2 ) انظر الحاشية السابقة . ( 3 ) يروى عجز البيت بلفظ : إليك ومن أحواش ماء مسدّم والبيت من الطويل ، وهو لذي الرمة في ديوانه ص 1175 ، ولسان العرب ( صيص ) ، ( سدم ) ، وتاج العروس ( صيص ) ، ( سدم ) ، وفي رواية أخرى للعجز : وكم زلّ عنها من جحاف المقادر والبيت لذي الرمة في ديوانه ص 1684 ، ولسان العرب ( جحف ) ، وتهذيب اللغة 14 / 7 ، 10 ، وكتاب الجيم 1 / 126 . ( 4 ) صدره : فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا والبيت من الكامل ، وهو لأبي كبير الهذلي في جمهرة اللغة ص 360 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 1073 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 88 ، والشعر والشعراء 2 / 675 .